الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

349

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الكلام المذكور إذ المفروض وضع اللفظ للطبيعة وعدم حصول الطبيعة إلا في ضمن الفرد المعين دون فرد ما فلا يصح إطلاق اللفظ حقيقة على ما لم يوضع له فليس الخروج عن الموضوع له حينئذ من جهة انتفاء تلك الحالة الحاصلة في حال الوضع بل لانتفاء أصل المعنى الذي وضع بإزائه وقد جعل ذلك وجها آخر في الإيراد عليه حسبما ذكرناه فلو صح ما ذكرناه من إرجاع هذا الإيراد إليه فلا وجه لعدهما إيرادين فالتمسك في أحدهما بملاحظة وضعه للطبيعة حال الانفراد فلا يصح إطلاقه عليه حين ملاحظة الأفراد ثم إرجاع ذلك إلى عدم وجود الطبيعة هناك أصلا فليس إطلاقا للفظ عليها كما هو قضية إيراده رابعها ما ذكره من أن المراد في المقام هو الطبيعة في ضمن فرد ما ولا وجود للطبيعة كذلك فإن على ما ذكره يكون قد أطلق الكلي على فرد ما مبهم بحسب الواقع ولا ريب أن ذلك غير مراد من المعهود الذهني بل ولا من الكليات التي يطلق على أفرادها إلا نادرا فإن الكليات المأخوذة على الوجه المذكور مما لا وجود لها في الخارج ولم يمكن إيجادها كذلك ولا يتعلق بها غرض في الغالب واللئيم في المثال المفروض قد أطلق على لئيم معين بحسب الواقع لكن لم يرد المتكلم بيانه للمخاطب إلا بعنوان أنه أحد الأفراد حيث لم يأت بما يدل على التعيين وإنما دلت نسبة المرور إليه على كونه في ضمن فرد معين بحسب الواقع غير معين في العبارة وهذا هو المراد بإطلاقه على فرد ما ضرورة أن المبهم على إبهامه مما لا يمكن تعلق المرور ولا شيء من الأحكام الخارجية به وكذا الكلام في نحو ادخل السوق إذا لم يكن هناك سوق معهود في الخارج فإنه قد أطلق حينئذ على أحد الأسواق المعينة بحسب الواقع وقد اتخذت الطبيعة بكل واحد منها فهي لا محالة متحدة مع أحدهما لا بمعناه الإبهامي إذ لا يصدق على شيء منها ولا وجود له في الخارج أصلا ولا مفهوم أحدهما إذ لا اتحاد للطبيعة إياه بنفسه بل المراد مصداق أحدهما فالمراد به الطبيعة المتحدة مع أفرادها فهو بهذا المعنى قد أطلق على أحدها فالسوق في قولك ادخل السوق قد أطلق على أحد الأسواق الخارجية وقد استعمل اللفظ في الطبيعة المطلقة من حيث انطباقها لأحد تلك الأسواق وهذا بعينه جار في قولك مررت على اللئيم إلا أنه لما كان الممرور به معينا بحسب الواقع أمكن القول بإطلاقه عليه حسبما قررنا أو لا فظهر بذلك ضعف قوله أنه قد أطلق هنا على مفهوم فرد ما ولا وجود له في الخارج حتى يتحقق الطبيعة في ضمنه وقوله نعم مصداق فرد ما يتحد معه في الوجود وليس بمراد جزما فإنه إن أراد به خصوص الفرد المعين فكذلك لكنه ليس بمراد جزما وإن أراد به خصوص أحد تلك الأفراد الذي يعبر عنه بأحد الأفراد فأي شيء أوجب الجزم بعدم إرادته وأي مانع من أن يراد من الدخول في السوق الدخول في أحد أفراده بإطلاق السوق عليه من حيث اتحاد الطبيعة معه ضرورة أنها إذا اتحدت مع كل منها فقد اتحدت مع أحدها بالمعنى المذكور خامسها إثبات الوضع النوعي للنكرة حيث قال إن له وضعا نوعيا من جهة التركيب مع التنوين ونفس معناه فرد ما وطلبه يرجع إلى طلب الكلي لا طلب الفرد ولا طلب الكلي في ضمن الفرد فالمطلوب منه فرد ما من الرجل لا طبيعة الرجل الحاصلة في ضمن فرد ما فإن الظاهر كما أشرنا إليه أن للتنوين وضعا شخصيّا حرفيا للدلالة على كون الكلي لمدخول له حاصلا في ضمن الفرد لا أن مجموع الرجل والتنوين قد وضع وضعا نوعيا ليدل على فرد ما ليكون المجموع كلمة واحدة بحسب الحقيقة ويكون وضع الرجل الخالي عن التنوين مرتفعا في المقام ضرورة زيادة حرف آخر في أصل اللفظ الموضوع فيكون كضارب المأخوذ من الضرب في عدم بقاء الوضع الشخصي الحاصل بمبدئه في ضمنه وإنما وضعت المادة والهيئة للمعنى المعروف بوضع نوعي كما حقق في محله بل لكل من الاسم والتنوين وضع مستقل فلفظ الرجل مثلا خاليا عن اللواحق موضوع لنفس الطبيعة كما بيناه وهو المعنى الصالح اللحوق والطواري عليه من اللام والتنوين وعلامتي التثنية والجمع ولكل من تلك اللواحق إفادة لا ينافي مفاد تلك اللفظة بل يجامعه لعدم المنافاة هي الطبيعة اللا بشرط والخصوصيات الواردة عليه فالاسم المفروض يدل بنفسه على الطبيعة المطلقة والحروف اللاحقة الطارية عليه تدل على الخصوصيات الحاصلة له ولذا صارت مكملة له كيف ولو كان لحوق تلك اللواحق مانعا لبقاء الوضع المذكور لانتفي معظم الفائدة في وضع أسماء الأجناس خالية عن اللواحق وقد عرفت أن أحد الشواهد على وضعها للماهية المطلقة فهو صلاحيتها للحوق تلك اللواحق ثم إن نفاه في المقام مع كونه معنى النكرة الطبيعة الحاصلة في ضمن فرد ما قد أثبته سابقا في المقدمات حيث صرح بأن اسم الجنس الخالي من اللواحق إذا دخله التنوين صار ظاهرا في فرد من تلك الطبيعة قال فالمراد به الطبيعة الموجودة في ضمن فرد غير معين سادسها قوله فلو أردت من قولك جئني برجل إلى آخره أما أولا فلأنه لا وجه لنفيه الوجود عنه بالفعل مطلقا وكأنه مبني على منافاة إرادة فرد ما لكونه موجودا كما مر وقد عرفت ما فيه كيف ولا شك في صحة أن يقول صريحا جئني بفرد من أفراد الرجل موجود بالفعل ألا ترى أن ما أطلق عليه حينئذ غير موجود وأما ثانيا فبأن عدم وجوده حال الإطلاق لا ينافي صحة استعماله فيه على سبيل الحقيقة إذ ليست النكرة موضوعة بإزاء الفرد الموجود حال الإطلاق بل لو وجد بعد ذلك أيضا كان إطلاقه عليه حقيقة ألا ترى أنه لو قال ائتني بماء فأتاه بماء وجد بعد القول المذكور كان ممتثلا وكان مندرجا في قوله قطعا والحاصل أن النكرة يدل وضعا على الفرد الخارجي أعني الطبيعة بملاحظة حصوله في ضمن الخصوصية الخارجية وإن شئت قلت وضع بإزاء الطبيعة والخصوصية الخارجية اللاحقة لها الباعثة على كونها فردا سواء كانت موجودة حال الإطلاق أو لا كما يظهر الحال من ملاحظة إطلاقات النكرات سابعها قوله والعجب من هؤلاء أنهم أخرجوا العهد الخارجي إلى آخره إذ لا عجب لوضوح الفرق فإن اللام في العهد الخارجي ليس لتعريف الطبيعة وإنما هو لتعريف الفرد غالبا كما مر والإشارة إلى خصوص المقدم في الذكر أو الحاضر أو المعلوم من الخارج من غير كونه إشارة إلى الجنس المدلول للفظ أصلا كما هو واضح من ملاحظة أمثلته بخلاف الحال في العهد الذهني إذ ليس اللام هناك إلا لتعريف الجنس والإشارة إليه من حيث حضوره في الذهن غير أنه يراد به الجنس الحاصل في ضمن الفرد لقيام القرينة عليه الغير المعلوم وليس ذلك من حقيقة العهد من شيء إذ الفرد الذهني غير معلوم ولا متعين عند المخاطب ولا معهود معروف مع قطع النظر عن المقام وإنما انصرف الذهن إليه من جهة قيام القرينة عليه فلا إشارة إليه باللام من جهة حضوره بالبال ولا تعينه في الخارج ولذا